يحتفل اللبنانيون في مثل هذا اليوم من كل عام، بعيد الاستقلال الوطني، حيث تبدأ الأناشيد الوطنية منذ الصباح الباكر، يرافقها صور وتسجيلات مصورة لحدث يعتبره البعض "زلزالياً"، يستحق الفرح والبهجة والذكرى، "لكن الحقيقة المرة أفضل بكثير من الوهم المريح" - كما يقول حكماء كل زمان.
في قراءة للمشهد اللبنانيّ اليوم، يظهر بما لا يقبل الشّك، أن ما حدث كان استقلالاً صُوريّاً فقط، فكيف يمكن أن يستقلّ بلدٌ في العالم لم يتّفق شعبه على العدو والصديق، وعلى مقاربة أي ملف "سياديٍّ" من ملفاته الكبرى،
ويشهدُ كل استحقاقٍ مصيريٍّ فيه لجولة منالمعارك الإعلامية والميدانية المحتدمة، التي تذكّرك بقول الكبير زياد الرحباني: "إرطة عالم مقسومين".
عوض أن يكون استقلالاً كان استغلالاً غربيّاً وخارجيّاً لهذه اللوحة اللّبنانية، التي تمثل بعداً رساليّاً مهمّاً في هذا الشّرق، فبدل ذلك كان لبنان منذ الاستقلال عبارة عن معارك طاحنة منذ ما سُمّي "الاستقلال" لغاية اليوم، فكل مجموعة ديمغرافية تقرأ لبنان من بوابة رؤيتها وحضورها ومصالحها ومستقبلها، حتى أصبح هذا "اللبنان" لبنانات متعددة، ما زالت حتى اليوم تتقاتل، بحثاً عن هوية ومكانة بين الأمم اللبنانية.
فلنكن صادقين ونبتعد عن الأوهام، التي ترضي فكر الانتصارات فينا، لم يكن استقلالاً بل كان استغلالاً واضحاً وصريحاً من القوى الكبرى لتفتيت هذا البلد الصغير إلى قطع طائفية ومذهبية ومناطقيّة، لكي لا يكون فسحة حضارة وفكر ورسالة تليق بموقعه وتاريخ قاطنيه، وحتى يسمى "استقلالاً" حقّاً، فالمطلوب هو بالحد الأدنى الاتفاق على أولويات المشهد الوطني والخروج من المشهد الضّيق في الانتماء إلى بحر الانتماء الوطنيٍّ الأرحب!


